تتنبّه الصغيرة على الحياة لترى يدا ترعاها بجوار يد أمها ..
تهيئ نظافتها , تُلبِسُها , تزيّنها , تعلّمها , تؤدّبها , تدلّلها ,
وما كانت حقيبة ابنة المتوسطة تخلو من الحلويات لصغيرتها المدللة ..
لقد كانت مع أمي الحبيبة أما حبيبة أخرى ..
أمي سارة !
تنمو الصغيرة .. لتلقى العناية تواكب سنها والتوجيه ..
وفي المدرسة تضج بالفرحة .. لقد عينت أختها الكبرى "سارة" معلمة صغيرة ..
عند ذاك لم تعد أختا كبيرة , أو أما مع أمها وحسب ..
لقد أصبحت معلمتي .. " أبلة سارة "
تزهو بها بين الصويحبات .. فمَن لديها أختٌ في المدرسة " أبلةً " ؟
ومن تكون من بين الصغيرات في الصف أختُ "أبلة" سارة ؟! ..
وتكبُر الفتاة .. لتجدَ منها الصديقة لا يشاركهما مع الوالدين في البيت أحد !!
وتكبر الفتاة ورنين الهمّ التعليمي التربوي الذي يكرّر صداه في الأعماق : معلمتي سارة ..
يوجّه أعماقي إلى التخصص !!
وتمر سنون .. وتخطو الفتاة إلى عتبات الشباب , وتخطو إلى عش الزواج لتجدَ الأم والمعلمة .. خير معين ..
أبجد هوّز .. هي حروف الحياة الأسرية .
تعلمتها من معلمتي سارة ..
وتفي سارة بالعهد , وهي الحنون بالطفولة ولم ترزق بالأطفال ! ..
وقد رزقت مدللتها بهم ,
فكانت تردد عند بِكري الوليد : " ولدُ الصغيرات .. ولدُ الصغيرات "
ذلك أنها كانت هي الكبرى , وكنتُ الصغيرة .. وكنت الأم !
وها هنا يتجدد عهد الحنان .. ويمتد .. نعم يمتد !!
ويفيض كم يفيض !
لم تعد صغيرتها صغيرة , ولم تعد تلك وحدها حظية الدلال والحنان ,
بل صار صغارها يشاركونها كذلك ,
فكانت سارةُ كجدّة جديدة تفرح بباكورة أبناء أبنائها ,
وكأم قد ولعت بأولادها ..
وما بين رعاية الأم ورعاية الطفل ...
وما بين طفل وآخر .. تقلّبه كما فعلت مع أمه ,
تحمّمه , تُلبسه , تغذّيه , تلاعبه , تدلّله , تنشد له ! ..
شدو الطفولة لا يفارقها..
قد حداها وهي المحبة للطفولة لأن تكون معلمة رياض الأطفال ..
تحبهم ويحبونها .. وتلاعبهم وينبسطون لها .. ولم ترزق بالأطفال !
ويكبر الأطفال .. أطفالي .. .
بهجتهم .. خالتي سارة ..
فرحتهم .. خالتي سارة ..
ما يفاجئهم تخفيه حقيبة الخالة سارة ..
قد كانت لهم كما كانت لي .. الأم الرؤوم سارة !
تدور رحى السنين , وتذبل أزاهير العمر ,
وفي الطريق تُطلّ المقادير برؤوسها المتلاحقة .
وكلها رحمةٌ وخير .. والحمد لله كثيرا .. الحمد لله ..
سنة من الزمان أبداننا مريضة لمرضها ,
وساعة من الزمان نحاول استيعاب حدث الرحيل ..
وزمانا طويلا بعده أظننا سنعالج فيه مرارة الفقد ..
رب لا تؤاخذنا .. ولك الحمد كثيرا .. لك الحمد
افتقدتها قلوبنا !
افتقدها أولادُنا .. كلُّ أولادِنا !
افتقدها والدان قد قامت على خدمتهما بتفانٍ عجيب سنوات طوال .. طوال
حتى في أيام المرض والشدة .. في أوائل الشهر الكريم المنصرم ..
تظن أنها قد تخلّصت من المرض ,
واستأنفت حياتها المتفانية في خدمة الوالدين من جديد !
تظن أن ما يصيبها أعراضٌ ستزول !!
افتقدها مجلسها عصرية كل يوم تُقرئ والدتها القرآن ..
قد افتقدها عصرُ كل جمعة .. حيث تقرئها سورة الكهف !!
وتفوتنا أحيانا قراءتها لأنفسنا .. ويحنا !
افتقدها مصلاها الذي نستيقظ فجرا فنراها قد سبقتنا إليه ,
ثم نقضي صلاتنا , وأذكارنا وما تزال عليه .. إلى ما شاء الله
فقدها المصحف والمسبحة ..
فقدها الدعاة المعلمون الذين أجرت رواتبهم في المركز الإسلامي ,
قد حرصت أشد الحرص على أن لا يُعرف دورها فيه .
فقدها المساكين تُجري عليهم ما يسّر الله لها ..
فقدها الأيتام تكفلهم ..
فقدتها خادمتها التي كانت كابنة لها .. إغداقا بالحنان ورحمة وشفقة وإحسانا .
ويفقدها الأطفال الذين أحبتهم , وشدَت لهم , ولاعبتهم وعلّمتهم وربّتهم ..
افتقدها أطفالي , وقد وجدوا في ساعات مشاركتها أُنسِهِم ,
وتوجيهها لمواهبهم ما لم يجدوه مع أمهم التي أنجبتهم .
" وين خالتي سارة ؟ "
سؤالٌ بزغ من الحنجرة الصغيرة .. حنجرة ابنتي .
وغصت به حنجرتي , لا أعرف سبيلا للجواب !
وإنا لنحاول أن نتخلّق بخلق الصابرين الحامدين الشاكرين المحتسبين , سلوانا :
" إن الله إذا أحب قوما ابتلاهم فمن رضي فله الرضا , ومن سخط فله السخط " الترمذي
و " ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها " البخاري
و "من يرد الله به خيرا يصب منه" البخاري
" والمبطون شهيد " أحمد
و " موت المؤمن بعرق الجبين " النسائي
وذكرٌ حسنٌ يشهد به الشاهدون على هذه الأرض ..
فـ " أنتم شهداء الله في الأرض " مسلم
يعزينا أنها في ختام عمرها قد ابتليت ببلاء عظيم .. عظيم ,
ونحسب أن "أم أنس" قد صبرت , ورسخت رسوخ الجبال حينما تدكّ بالزلازل .. بالآلام ..
نحسبها صابرة .. وندعو الله أن يكفر عنها ,
وأن يرفعها إلى منازل الشهداء والصديقين ..
وإنا لنرجو لقياها في الفردوس الأعلى ..
سارة .. رحيلها مر !
أداوي مرارته وقصورَ نفسي بإيمانٍ بقضاء الله وقدره , أحاول التحلي به !
وأرجو أن يوفقني الله إليه ..
الحمد لله على كل حال ..
إنا لله وإنا إليه راجعون ..
في صبيحة الأحد 19 شوال 1429هـ
اتجهت لأراها في المستشفى
فسُبِقتُ إليها ..
توفّيت أم أنس .. أختي سارة
بعد مرض عضال أصابها ..
رحمها الله وغفر لها .