20 مايو، 2008

يومٌ في طنجة ..

1405هـ - 1985م
ِإهدَاءٌ
أُم أَنَس .. أَنتِ لِي الدّنيَا مُجْتمِعَةً .. أَنتِ لِي الأُختُ وَالصّدِيقَةُ وَالمُعَلِّمَةُ ..
أنتِ الأمُّ مَعِي لأولادِيْ ..
لَمْ أَنسَ لَحْظَةً وَاحِدَةً فَضْلَكِ العَمِيمَ عَلَيَّ ..



فَجْرٌ يَتَرَقَّبُ .. وَوَالِدٌ حَكِيْمٌ .. وَطَرْقَةُ بَابٍ ..
وَالرِّحْلَةُ مِنْ أَسْبَانْيَا إِلَى طَنْجَةَ .. عَبْرَ مَضِيقِ جَبَلِ طَارِقٍ ..




تثاقلت أجفاننا عن الصحو في وقت السحر حينما طرق والدي باب غرفتنا يستحثنا النهوض والاستعداد قبل حضور الحافلة , فرحلتنا السياحية ستكون إلى المغرب , إلى طنجة تحديدا ..
الزمان .. هو آخر السحر . والمكان مدينة ملقا في منطقة كوستا ديل سول في جنوب أسبانيا . وأما الذكريات فأبدع ما تكون ! لأنها ذكرياتٌ أدار فعالياتها بمهارة مهندسُ الرحلة البارع " والدي " , فكانت - رغم تبرُّمنا الطفولي الساذج أحيانا - أجمل الذكريات , وأعمقها نقشا في عقولنا وقلوبنا وكل أحاسيسنا ..

كان جدول رحلاتنا في أسبانيا يتطلب غدوا باكرا جدا في الصباح , أبكر من الدوام المدرسي . كما يتطلب رواحا باكرا في المساء , أبكر من الغدو إلى البيت في يوم مدرسي كذلك .
كنا كالطيور تماما غدوا ورواحا ..
وكان العش الدافئ في المساء يضم الأسرة .. في أجمل ما تكون اللحظات .. القهوة العربية , والتمر الفاخر و.. الحبيبين الوالدين .


لقد كانت لحظات ثمينة , نقتنص فيها راحة بال ربّان سفينتنا "والدنا" من مشاغله التي لم تقطعه عنا يوما , وإنما تقطع عنا رؤيته مرتاحا - متعنا الله ببره وبقائه - .. وكنا أحيانا نذكر الديار , وأخرى نخطط لرحلة الغد .

رحلة طنجة سينقلنا إليها حافلتان : حافلة برية في نصفها الأول , ثم أخرى بحرية تحفل بالسياح في نصفها الأخير .

صحونا , ثم أخذنا استعدادنا سريعا , والليل لا يزال جاثما بظلمته على مياه ساحل البحر المتوسط المنبسطة أمامنا , رغم أن الشمس تشرق من جهتها تماما ..

لا زلنا قبل الفجر .. حتى إذا ما نزلنا إلى بهو الفندق , وجدنا الحافلة تنتظرنا فركبناها , وما زالت أجفاننا تنازع النوم ..

كانت الحافلة كبيرة جدا , وتتسع لعشرات الأشخاص , غير أننا كنا في مقدمة من مرّت عليه الحافلة ؛ إذ إن رحلتنا تضم أفرادا من فنادق ومناطق سكنية شتى .



قرُب الفجر , وامتزجت أسمال الليل المغادرة بخيوط النور , تنسج قصة اليوم الجديد . وانتعاشةُ الصبح تدب فينا , وصوت الشيخ القارئ علي الحذيفي يصدح في أرجاء الحافلة بهدوءٍ وسكينةٍ يتلو القرآن الكريم .. يحمل انتعاشة الجسد بين كفي الروح المحلقة في آيات الله .

لله درّها من لحظات !!
كان الوقت بعد ذاك مناسبا جدا للنزول وأداء صلاة الفجر , وبعد أدائها ارتاحت نفوسنا إذ خشينا أن لا نجد المكان المناسب للصلاة .

شقت الحافلة طريقها بين حقول أشجار الزيتون الممتدة تارة , أو على حرف البحر المتوسط تارة أخرى . والنور ينتشر رويدا رويدا , يبسط تباشير الصبح , ويبعث عبق النشاط , وبدأ الناس في الحركة بعد الهجعة .

كانت الحافلة تتبع اللوحة الإرشادية إلى مدينة تاريفا , أثار اهتمامنا النغمة العربية التي تصاحب تهجئتنا للكلمة . وتاريفا مدينةٌ ومركز ساحلي في الجنوب الإسباني , تجاور تقريبا منطقة جبل طارق التي تعد منطقة بريطانية , وليست إسبانية .

وعند تاريفا دخلنا مبنىً أشبه ما يكون بمركز صغير . ومنه أخذنا تذاكرنا للصعود في المركب البحري الذي سينقلنا عبر مضيق جبل طارق إلى مدينة طنجة في شمال المغرب . قطعنا المضيق في حدود 35 دقيقة فقط , حتى وصلنا إلى مدينة طنجة في المغرب .


كنا في صحبة مرشد سياحي قد هيّأ لنا برنامجا كاملا للرحلة . وبانتظارنا من سينقلنا إلى داخل المدينة . كان الجو مشمسا جدا , وبدا لي أن الرقعة الخضراء في طنجة أقل منها في الجنوب الإسباني مع كون الجنوب الإسباني لا يتميز بمساحات خضراء مشبعة الاخضرار أو كثيفة الأشجار . ما كان يميز جنوب أسبانيا هو حقولُ أشجارِ الزيتون المتباعدة , التي لا تنازع الشجرة منها مملكة أختها في محيط كافٍ لامتداد الجذور , وامتلاك مساحة أرضية تكفل للشجرة الواحدة قدرا مناسبا من الماء .


وصلنا إلى وسط مدينة طنجة , وهناك بالفعل تغيرت ملامح البلد . وبدت طنجةُ لنا مدينةً عربيةً . وقد تميّز لباس أهلها المغربي الفضفاض بالأغطية الخرطومية الشكل , وألبسة نسائها بالمناديل الصغيرة التي تغطي مساحةً من الوجه , في الوقت الذي تكون أرديتهن مفتوحة الجانب , فتبدو معه أقدام المرأة أو جزءا من ساقها , وهو الأمر الذي شكّل لدي شيئا من المفارقة .

اتجهنا بعد ذلك إلى منطقةٍ ذات أبنية شعبية بيضاء . وأخذنا جولتنا بين أزقتها الصغيرة والمتعرجة , وبين مساحات تتوسط الأبنية وطرقات وسلالم . لقد كانت المنطقة نظيفة مهيأة بشكل جيد للسياح حسب ما أذكر .. أما المرشد السياحي فقد كان مغربيا , مما يلزمنا أن ننصت إليه جيدا لنفهم ما يقول بلهجته المغربية التي لم نعتد عليها .

وكان مما وعدناه خلال جدول الرحلة أن نتذوق الشاي المغربي في أحد المحلات التي تقدم ذلك الشاي , وأن نزور محلات بيع الزرابي ! ثم نتجه إلى أفضل المطاعم هنالك لنتناول وجبة الغداء في أجواء مغربية .

من بين كلماته المغربية كان يردد المرشد على مسامعنا لفظ الزرابي ! ولا شك أنه لفظ قرآني لا نستغربه , إلا أننا بدأنا نفتش في أذهاننا عن موضع ورود اللفظ في القرآن الكريم لنتذكّر معناه . فتذكرنا قوله تعالى في سورة الغاشية في وصف الجنة : " ونمارق مصفوفة , وزرابيّ مبثوثة " فاختلط علينا ماذا تكون , لكننا أيقنا أنها نوع من الأثاث .


وصلنا إلى دكاكين بيع الزرابيّ , وبدا لنا جيدا أن ما يقصده هو السجاجيد , وأعجبنا جدا استخدام هذا اللفظ القرآني . كانت هذه السجاجيد متنوعة متلونة ذات طابع مميز .

تجوّلنا في أسواق طنجة الشعبية , وكنا نرى على طرقاتها الأطفال يلهون ويلعبون هنا وهناك . وصادفنا إذ ذاك طفلا مغربيا بين العاشرة والحادية عشرة تقريبا , تعرف من لمعة عينيه موهبة خاصة , كما تقرأ منهما ألما دفينا . لحظنا أن هذا الطفل يتبعنا أين ذهبنا .. وخمّنا* دافعيةً لديه إلى الحديث معنا .. وبالفعل اقترب الفتى .. تحدثنا معه بحديث ..


كان الطفل مسرورا جدا للقيانا , وسَأَلَنا وسألناه . ولقد كان يتكلم لغة عربية فصيحة , فخجِلنا أن نتكلم معه في المقابل بلهجتنا الخليجية , واضطررنا أن نحادثه بمثل فصاحته .. نحاول أن نكون مثله وليفهم منا ما نقول , كما فهمنا منه قوله الفصيح .
لفت نظرنا كذلك أنه يتكلم بثقةٍ كالكبار , وحيويةٍٍ يندر أن تجدها في الطفل حين يحادث الغرباء , ومع ذلك كان بالغ التهذيب .
لقد اتضح لنا أن هذا الطفل من عائلة فقيرة , كما اتضح لنا كذلك أنه يدرس في حلقات تحفيظ القرآن الكريم , وأنه يحفظ قدرا منه . هنا سُرِرنا كثيرا لوجود مثل هذه الحلقات في طنجة , وزالت بالطبع علامات التعجب لدينا حول فصاحته .
تركنا هذا الطفل وقلوبنا تدعو له بالخير والحفظ ..


سارت بنا الطرقات في أزقة طنجة وأسواقها وأبنيتها المتعرجة الجميلة البيضاء ..
حتى وصلنا إلى المطعم الذي نسّقت الرحلة السياحية تناول غداءنا فيه ذلك اليوم . كان المطعم ذا طرازٍ مغربي , وقد و
جدنا فيه من براد التكييف وظلال الأنوار الهادئة جدا ما أزال عنا حرارة الجو في الظهيرة , وإجهاد أعيننا في شمسها الساطعة .

اتخذنا مجلسنا في المطعم استعدادا للغداء غير أننا أنكرنا فيه أمرا مخالفا , فخرجنا منه .
وهنا كانت المفاجأة !

لقد كان الطفل المغربي يرمق من بعيد قد صرّ عينيه ليرى في شمس الظهيرة الساطعة . حتى إذا ما رآنا خارجين توجه إلينا يلومنا :
أَلَمْ تَجِدُوا غَيْرَ هَذَا المَطْعَمِ لِتَتَنَاوَلُوا غَدَاءَكُم فِيهِ ؟
فقلنا :

ما المشكلة ؟
قال بلسان عربي مبين , وبملء فمه :

هَذَا مَطْعمٌ يَهُودِيّ ..
صَاحِبَتَهُ يَهُوْدِيّة .. إِنّهم يُقَدِّمُونَ الخَمْرَةَ !!
ومضى يتحدث بحرقة وألم , حتى خُيل إلينا أننا أمام خطيب مفوّه – بارك الله فيه – برغم بساطة كلماته وعفويتها . فلُمنا حينئذ أنفسنا , كيف لم نستوثق !

وإن لم نكن في حقيقة الأمر نعرف أصلا أن المغرب فيها يهود ..

في هذه الأثناء خرجت صاحبة المطعم العجوز تبدو من سحنتها الشقراء أنها ليست مغربية الأصل , فنهرت هذا الطفل وأمرته بالابتعاد عنا , زبائنها , ولكن هيهات .. لقد اطمأنت أنفسنا إلى كلمات الصبي العفوية , ثم عافت بعدما سمعت ورأت هذا المطعم ..




انطلقنا لنعود إلى حافلتنا السياحية , ومنها إلى الساحل حيث عدنا إلى تاريفا ثم إلى ملقا , عبر الطريق الساحلي الزيتوني في وقت الأصيل ..
ووصلنا قبيل المغرب إلى عشّنا .. إلى الفندق متعبين ..
ولكن مشتاقين إلى جلسة المساء الدافئة ..




















.......................

* قدّرنا .









17 مايو، 2008

رحم الله هديل !!

1429هـ



عُدتُ أُفتّشُ عَنهَا ..
أُذِكّرُ النّفسَ قبل الزائرين !
" كَذَا الدّنيَا نُزُولٌ .. فَارْتِحَالُ .. !! "
دَرْسٌ أحْيَتهُ هَدِيلُ فِينَا جَمِيعًا ..
وَكُلّنا عَلَى الأثَرِ سَائِرُون ..
رَحِمَهَا اللهُ تعَالَى .

الجمعة
11 جمادى الأولى 1429هـ


14 مايو، 2008

شلالات نياغَرا .. بين إطلالتين ..

مايو 1999م

إِلَى عُمَرَ .. أشكرُه على اللقطات .. ولَعَلّهُ يَتَفَضّل بِإِطْلالَةٍ عَلَى الأَحْبَارِ : )

تُخَالِفُ طَبِيعَتَهَا مَن تَقُولُ أَنّ فيْ مُطلَقِ الخُرُوجِ مِن البَيتِ انطِلاقَةً لهَا وَرَاحَةً ..
قَدْ نَجِدُ مِنَ النّسَاءِ مَن تُنَازِعُ وَتُجَادِلُ كَيْ تَخرُجَ مِنَ البَيْتِ مِثْلَهَا مِثلَ الرّجُلِ تَمَامًا .
وَأظُنُّ أَنّهَا تُخَالِفُ نَزعَة قَوِيّةً فِي فِطْرَتِهَا , أَوْ أَنهَا لَمْ تَخبُرْ الحَيَاةَ بِشَكْلٍ جَيد !

ما كان الخروج يوما ما غاية تستحقّ لأجلها أن تنازع المرأة , بل إن قمة راحتها أن تكون قريرة العين قارّة في مكانٍ هي من تصنع سعادته وبهجته .. ليست هذه وجهة نظر شخصية فحسب , وإنما هو رصدٌ لرأي العديدات ممن جربّن . وخيرٌ من ذلك أن القرار في البيت أمرٌ ربانيٌّ , وأي الأحوال ينسجم مع طبيعة الإنسان , إن لم تكن الحال التي ترضي من خلقها , وهو أعلم بما يصلحها.. !*

عذرا ! أجدني اليوم , أخالف لهجة الأحبار , وأنعطف انعطافا حادا نحو موضوعٍ آخر , ولكن تأمّلوا أيها الأفاضل والفضليات .. ما حياة أحدنا إلا شبكة معتقداته ..
إنني حين أسافر أحرص أكثر ما أحرص على المقام الطيب , الذي يوفر للساكن راحة النفس والبدن ..
ومما أحرص عليه كذلك أن يكون ذا إطلالة تمنحني وقتا طويلا في التفكّر , وبعيدا عن الخروج إلى صخب الحياة .

ولربما يغنيني السكن في البلد الحرام , أو في مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم في موقع ذي إطلالة أمام المسجدين عن الخروج إلى المسجد , أكفُّ عن المصلين بكاء أطفالي تارة , أو أكفُّ عن نفسي مشقة تدبير من يكون معهم , ثم أؤدي الصلوات في مكاني إيمانا بأن صلاتي في بيتي أعظم أجرا , وإن كنت في البلد الحرام ..
وقد تكفيني زيارة المسجد عددا محدودا من المرات .. وكذلك الأمر حين لا تتيسر الإطلالة بالطبع . إلا أن الإطلالة بلا شك تمنحني شعورا بأنني مع المصلين في دخولهم وخروجهم وحركتهم , وأنا قابعةٌ في بيتي وبين أطفالي , وأصلي فرضي باطمئنان.
إطلالتان نهارية وليلية من مقر سكننا على المسجد النبوي الشريف بعدسة عمَر .

إن بعض الأسفار تتطلب نوعا من الحركة الدؤوب لرؤية معلَم أو لزيارة طبيعة وغيرها , وإلا لم كان السفر ؟! ولكنني أظن أن الرحلة الجيدة هي التي لا يحرم الفرد نفسه فيها من استرخاء البدن والنفس , فقدرٌ موزونٌ من برامج الزيارات السياحية , مع وقت كافٍ لالتقاط الأنفاس والتأمل , هي في ظني أفضل من برنامج يستغرق عليك يومك كله من الفجر حتى غسق الليل . تلك هي فلسفتي في السفر ..

وأحيانا قد تسافر سفرا تقصد فيه أن تقلل من الحركة وتنزع إلى الهدوء .. , لاسيما بعد فترة جهد وعمل .
في رحلتي الثالثة إلى شلالات نياغرا دخلت الفندق أول ما وصلت , ولم أخرج منه إطلاقا إلا عند العودة إلى المدينة التي نسكن فيها .. وللعلم فإن المسافة تقريبا بين مدينتنا والشلالات هي ما يقارب الخمس ساعات أو أقل قليلا ..

وربما يتساءل السائل , وهل يستحق أن يسافر أحدنا الساعات ليحصل على الهدوء والاسترخاء فقط ؟!
ليس على كل حال , ولكن إن يحصل لك أن تظفر بإطلالة في حضن الشلال فنعم .
وأي حاجة لك بعد ذلك في الخروج من غرفة الفندق ؟!

قبل الرحلة اشتد حرصي على أن يتم الحجز في فندقٍ يتمتع بإطلالات حقيقية على شلالات نياغَرا , وبطبيعة الحال فإن مثل هذه الفنادق تحظى بتسعيرة مرتفعة للغاية في أوقات المواسم , وهي أكثر ارتفاعا عند حجز الغرف والأجنحة المطلة , غير أنها فيما سوى ذلك تكون بأسعارٍ ربما لا أقول منخفضة , وإنما معقولة ..

وقد كان ذلك , فانطلقنا متجهين نحو الشمال , حتى إذا ما وصلنا إلى بافالو , ومنها دخلنا إلى أونتاريو في كندا عبر الجسر الممتد فوق مجرى مصب الشلالات توجهنا حينئذ إلى فندق الشيراتون فولز فيو , ثم حططنا رحالنا في غرفة احتلّ زجاج النافذة الأمامية منه أغلب الحائط , وكنا في مواجهة الشلالات ..

كانت الشمس تُشرِف على المغيب , وكان المساء يرخي سدوله على الشلالات وما حولها . وبعد أن أدينا صلاة المغرب وأخذنا قسطا من الراحة بعد الطريق , تشاورنا في كيفية قضاء الليلة . وكنت قد بيّت نيتي أول ما رأيت المنظر البديع الذي تشرف عليه غرفتنا أنني لن أخرجَ حتى نهاية الرحلة , وحالي كحال مهنا حين قيل له "جاك يا مهنا ما تمنى" .. فطرحت فكرة المكث في غرفة الفندق , والاكتفاء بها عن الخروج , لا سيما وإنني قد نلت حظي من معالم الشلالات السياحية في رحلات سابقة ! استغرب أبوعبدالله هذا الاقتراح , غير أنه بعد ذلك وجدَه خيارا منطقيا , وفرصة لجلسة أسرية هادئة مع الأولاد ..

قد كانت هذه الرحلة بعد الانتهاء كذلك من عام دراسي حافل لأولادي الثلاثة , فقد كنت أقتسم فيها ووالدهم تدريس كافة المقررات الدراسية السعودية في المنزل , بجدولٍ دراسيٍّ وحصصٍ في فترة صباحية منضبطة . لقد كانت تجربة التدريس المنزلي ممتعة وثرية , مع ما فيها من التحديات , ولذا ؛ كانت رحلتي هذه تمثل تتويجا لإنجازات عدة , وقد كان هذا أجمل ما فيها ..
ولم نكن بحاجة إلى أن نبذل وقتا طويلا في النزهة بقدر حاجتنا إلى الجلوس جميعا , والحديث عما نأمله خلال الإجازة الصيفية المقبلة بعد أن نصل إلى ديارنا التي هي بصحاريها أجملُ في قلوبنا , وبما تحتضنه من أراضٍ مقدسة هي أكثر بركة وأعظم قدرا , وأجلّ وأطيب على نفوسنا .
لقد كانت نفوسُنا تهفو إلى البلد الحرام , لتجلوَ عنا بروحانيتها الصورة المغرقة في المادية , تلك التي يحيا بها الناس في تِرسٍ عملاقٍ يسمى الحياة الأمريكية ..


تأملنا الشلالات كثيرا , صاحبَنا التأمل ( كاميرا الفيديو ) التي وثّقت كثيرا من لحظاتنا , ولما كانت الإطلالة متجهة نحو المشرق .. وثّقت ( الكاميرا ) شروق الشمس خلف منظر الشلالات , ورقبنا الشمس منذ أن أطلّت بطرفها حتى أكبّت بوجهها على الشلالات فجعلت المياه براقةً بريق الذهب , حتى ليخيّل إليك أنك أمام مصبِّ ذهبٍ مذاب ..




انقضت رحلتنا .. عدنا إلى مدينتنا .. يحدونا الشوق إلى نعود إلى ديارنا السعودية , وإلى والدينا وإخوتنا وأحبابنا .. أن نزور مكة المكرمة التي لا تغني عن راحة مكانها وزمانها أي راحة .. ولا الإطلالة على مسجدها الحبيب أي إطلالة ..






..................



* دلت الآية " وقرن في بيوتكن " على أنه الأصل في المرأة . ( نوال العيد , حقوق المرأة في ضوء السنة النبوية , 1427هـ )

11 مايو، 2008

شلالات نياغّرا .. خِبرة من زوايا متعددة !

1998م


إِلى العَزِيزَين أَحْمَدَ وَعُمَر .. لَقَدْ أَضْفَيْتُمَا عَلَى جَمَالِ الرِّحْلَةِ رَوْعَةً وَجَمَالا !




إن منطقة شلالات نياغَرا تمنحك فرصا متعددة ومتنوعة لمعاينتها ؛ فيُمكن السائحُ أن يركب السفينة التي تتجول في منطقة مصب الشلالات وتقترب منها كما أسلفت , كما يمكنه أن يستأجر طائرة عمودية "هليوكوبتر" فيحلق فوق الشلالات ويستمتع بمنظرها البديع , أو يمكنه أن يصعد البرج الموجود في الجهة الكندية "Skylon" ليرى أمامه الشلالات من منظرٍ علوي أخّاذ يشملها , وأجزاء واسعة من المدينتين معها ( بافالو الأمريكية وأونتاريو الكندية ) ..



ومن أجمل الخبرات التي يمكن أن يخوضها السائح رحلةٌ بالأقدام خلف الشلالات , وتكون في مجموعات سياحية ؛ حيث ينزل السوّاح إلى منطقة المصب , ويمشون في مسار يأخذهم إلى خلف هذه الشلالات .

وبرغم إحساسنا بجمال هذه الخبرة ورغبتنا في خوضها , إلا أننا قدّرنا أنها لا تناسب وجود الأطفال .. فلم نخضها ..

في الرحلة الثانية كنا قد رافقنا أختي وأسرتها إلى أونتاريو , وسكنا بادئ ذي بدءٍ في أحد الفنادق القريبة من جوازات كندا في مدينة بافالو الأمريكية .. وذلك بعد طريقٍ طويلٍ من مدينة نيويورك** .. قضينا جزءا كبيرا منه في التخلّص من الازدحام المروري في طرق مدينة نيويورك , وذلك في صباحِ يومٍ أطبقت فيه السماء سحبها ..
كان الطريق قد أخذ منا جلّ يومنا , إلا أن السفر في البلاد الخضراء ينطوي بأعجب ما يمكن أن يتخيل الفرد ؛ فالجبال والوهاد والسهول الخضراء , وبعض المزارع هنا وهناك , والأكواخ الصغيرة المتناثرة بجمال تُشعرك بأنك تتقلب في معرضٍ بهيٍ من الإبداع .. سبحان خالقه , ويدعوك إلى التأمل فيه والتفكّر , ونسأل الله نعيم الجنة !

ومما يزيد السفر راحةً وجود مناطق الاستراحة التي تقدّم خدماتها للمسافرين على الطرق , والحقيقة أننا نجد أن التوقُّف للصلاة أو للارتياح أو لقضاء الحاجة أيسرُ بمراحل شاسعة عما هو موجود لدينا , والله المستعان !
ومع ذلك تبقى للسفر مشقته , التي هي قطعة من العذاب .

أصبحنا في اليوم التالي , واجتمعت الأسرتين لتناول الإفطار . لقد كان صباحا جميلا , وكنا نشعر بانتعاشٍ كبيرٍ بعد يومنا السابق الذي قضينا جُلّه في السفر , وما زالت تلك اللحظات الجميلة المنتعشة التي اجتمعت فيها وأختي وبنيّاتنا , وما كان فيها من الأحاديث والفكاهة التي سرّت عنا , وأضحكتنا حد الإحراج يرن صداها في مخيلتي . ومن نعم الله أن يبعث الله إليك في أحلك الأوقات من يرفَع همّك , ويزيل وَحشتك , ويجدّد انتعاشك . ولقد كانت زيارة أختي وأسرتها من أكبر الهدايا التي تلقيتها في موسمٍ صيفيٍّ اكتظّ بفصلين دراسيين صيفيين مكثفين جدا , كنت قد أخذتهما لأنهي دراستي بشكل أسرع *** ..

إن الدخول إلى كندا من السهولة بحيث يشعر المسافر بأنه لم ينتقل بين حدود دولتين . وعلى خلافه الدخول إلى الولايات المتحدة الأمريكية , ومع أن الشعب الأمريكي في مجمله شعبٌ ودودٌ مرحِّبٌ لكل من يزوره من خارج البلاد , إلا أن هذه اللطافة والدماثة سرعان ما تتبخر صورتها في الخيال حينما تواجه أي رجل أمن أمريكي .. فمن عظمة قامته , إلى تقطيبة جبينه , إلى غلظة لهجته تعرف أن وقت الجد جد , ولا مكان للعب أو العبث بأمن هذا البلد , تلك هي الرسالة التي كنت أقرؤها جيدا حينما أرى موظفي الجمارك , أو شرطة المرور , أو غيرهم ممن له شأن بالأمن ..

في هذه الرحلة كررنا تجربة المركب .. إلا أن السحب أضفت عاملا متغيرا عن التجربة السابقة , فقد كانت مطبقة ثقيلة . وفي هذه الرحلة صعدنا Skylon وهو برج مرتفع جدا مقابلٌ للشلالات في الجهة الكندية ... ولقد اخترنا صعوده في الليل , لأن الليل يحمل قصة أخرى للشلالات ..
فما قصتها ؟

ما إن تغيب شمس أونتاريو وبافالو .. ثم يجثم الظلام على المدينتين المتجاورتين , تستعد الشلالات لعرضٍ آخر بعد عروض النهار الطبيعية , غير أن هذا العرض يضفي عليها ألوانا صناعية , تماما كمساحيق التجميل التي تتخذها النساء عادة في المناسبات , لكنها تتغير وتتبدل وفق ما تمنحها الأضواء البعيدة المسلطة عليها .. تلك الأضواء تصدُر عن أجهزةٍ ثبّتت في مبنى عالٍ مواجهٍ للشلالات , وحين تنبعث منها الأضواء الملونة تسافر عبر الجو مسافةً ليست بالقريبة , لتنعكس بقوة على أسطح الشلالات .. فترى الشلالات قد اكتست مرة بلون أحمر , وأخرى بلون أزرق , وأخرى بأصفر , ثم أخرى بهم جميعا .. وهكذا تشعر أن الشلالات قد أضفت بعد كرمِها النهاريِّ كرما آخر يزين المدينة في الليل بأبهى ما تكون الزينة .. ****
ولرحلة الشلالاتِ وقفةٌ أخيرة , تكشِف سرّ تفضيلي البقاء في الفندق طيلة مدة الرحلة , مع أننا قطعنا لزيارة هذا المعلم البديع مئات الأميال ..

.......................................
* وتوجد وسائل أخرى كقاعات الأومنيماكس Omnimax ( الشاشات العملاقة ) , أو عروض المحاكاة والواقع الافتراضي Simulator غير أن ما يعيبها الجو الموسيقي الصاخب , ومن ترك شيئا لله عوضه الله خيرا منه . .
** وسأفرد لرحلة نيويورك وجزيرة مانهاتن الشهيرة فيها تدوينة خاصة إن شاء الله تعالى .
*** وذلك خلال دراستي الماجستير في كلية " نسائية " .
**** إن المرتحل المسلم يعرف جيدا الأماكن التي تليق به أينما حل , وهو يؤدي رسالة هامة في حق نفسه ودينه ووطنه , فإما أن تكون هذه الرسالة رسالة ترقية , أو أن تكون رسالة خسران , فاختر أي الرسالتين تؤدي !

01 مايو، 2008

شلالات نياغَرا .. الفرجُ بعد الشدةِ

1995م

1998م
1999م

إِلى هَدِيْل الحُضَيف المَحْفُوفَةِ بِرِعَايَةِ اللهِ وَحِفظِهِ ..
سَتَنبُضُ الحُرُوفُ بَعْدِ سُكُونٍ ..
بِإِذنِ اللهِ ..
أَن تُسَافِر وتَقطَع مِئَاتَ الأكْيَالِ وَالأَمْيَالِ لأَجْلِ أَن تَمكُثَ طِوَالَ رِحْلتِكَ فِي الفُنْدُقِ ..
فَهَذَا مِمّا لا يُوَافِقُ عَلَيْه ذُو عَقلٍ ..
غَيرَ أَنّ هَذَا مَا أَرَدْتُه حَقّا , وَفعَلْتُه فيْ أَجْمَلِ بِقَاع ِالدّنيَا : نيِاغَرا فُولْز ..

التنفسُ بعد اختناق .. الحركةُ بعد جمود .. والحضورُ بعد غياب .. الحريةُ بعد سجن ..
أوجهٌ متعددةٌ لمعنى واحد , ذلك القَدرُ الطيب الذي يحمِل في ثناياه رحمة الله بالعباد , ففي الشدة رحمة , وفي الرخاء بعدها الرحمة .. وفي التقلّب بينهما أيضا رحمة !

وقد تمر بالمرء ساعاتٌ تضيق فيها الطريق وتزدحم العقبات .. فلا يدري أيها يكابد , وبأيها ينشغل .
حتى إذا ما استحكمت حلقاتها فُرجت .. وكان يظنها لا تفرجُ !


ولن نعرف قيمة الصحة إلا بالمرض , ولا الراحة إلا بالتعب , ولا الفراغ إلا بالانشغال .
قد كانت رحلة اليوم إلى الشلالات الكبرى بوابتي لاستنشاق الحياة بعد لجّية المشاغل والكُرَب : غربةٌ ووهنٌ ودراسةٌ وتدريسٌ مجتمعة ملتمّة , ولا تسألوا عن التفاصيل .. حسبكم أن الواحدة منها كفيلة بأن تستهلك الطاقة .. كل الطاقة !
والحمد لله كثيرا .. الحمد لله ..
بعد أن انحلت كبرى هذه العُقد* , توجهنا مباشرة إلى بقعة أحببنا أن نعود إليها قبل مغادرة الولايات المتحدة الأمريكية إلى الديار .
تلك البقعة الجميلة كانت اختيارنا للنقاهة بعد الضغوط الكثيرة , ولقد كانت شلالات نياغَرا هي الانطلاقة بعد حبس المشاغل .
وكنت قد زرتها قبل هذه الرحلة مرتين في مواسم إجازة , وبرفقة أسرة مختلفة في كل مرة . ولكل منها مذاقه الخاص والجميل , أما هذه المرة فقد كانت الرحلة في غير أيام المواسم , فلم نرافق فيها أحدا إلا أنفسنا وأولادنا .
كان الطريق في تلك الرحلة ذا نكهة مميزة , هي نكهة التحرير .. ومذاق الخلاص , فمن بنسلفانيا إلى نيويورك إلى شمالها .. إلى مدينة بافالو المطلة على الشلالات من جهتها الأمريكية , ومنها إلى مدينة أونتاريو الكندية .
وماذا عن الرحلتين الأوليين ؟

في رحلتنا الأولى صاحبتنا أسرةٌ صديقة , وبعد أن مررنا بواشنطن العاصمة ومكثنا فيها ما شاء الله , توجهنا إلى ولاية نيويورك .. إلى مدينة بافالو فاتخذنا سكنانا فيها , في أحد (الموتيلات) ** . وتشتهر (موتيلات) الولايات المتحدة الأمريكية بطابع مميز ؛ حيث لا يرتفع بناؤها عن طابقين , وحيث يكون (الموتيل) عادة كحرف U أو L , ولكل غرفه مدخلها مباشرة من الخارج , ويتوسط المبنى عادة بركة السباحة .


في الرحلة الأولى كانت زيارتنا أكثر ما كانت إلى الشلالات من الجهة الأمريكية . وأجمل ما في الإطلالة هنالك أننا استطعنا الاقتراب من الشلالات أدنى ما يمكن أن نكون من جزئها العلوي قبل أن تنحدر وتسقط , لقد كان صوتها عاليا جدا جدا .
ومن مكان أبعد ترى الشلال الأكبر وقد تقوّس عند المصب كحدوة فرس بصورة بديعة جدا .. سبحان خالقه ! وتسارعت مياهه لتصطدم بقوة شديدة ببعض الصخور .. ثم ترتمي بأقوى جاذبية نحو الأرض لتكون حلقةً من سلسلة عرضٍ للطبيعة مبهرٍ وخلاب .. حقا خلاب !
فلا تدري أي حواسك تمتلكها حين تعيش خبرة الشلالات حولك .. أهي عينك التي لن تستوعب بيسرٍ جمال الشلالات وعظمتها وبريقها وحيويتها وانتعاشها وسرعتها , أم أذنك التي تصطخب بصوت جمهرة المياه الكبيرة المتصادمة وعرضها المتناغم , أم نفسك التي تهاب قوةً ما ربما تستحوذ عليك وتنتشلك فتكون ضمن مياهٍ تزحلقت أو زبدٍ تكدّر ! أم قلبك إيمانا بالله وخشوعا وخضوعا له وتسبيحا بحمده وعظمته , أم روحك التي تحلق في ملكوته , فهذا الجمال والجمهرة والاصطخاب خلقها الأكبر سبحانه .. العظيم البديع سبحانه .. والله أكبر ..

لقد كانت شلالات نياغَرا كبيرة متسعة قوية بيضاء .. ناصعة البياض , تزيد الشمس بريقها حين تشرِق , وتزيد هي بريق المكان حين تغيب عنها الشمس .. وعند المصب ترتفع في أحضان قوس الشلال الأكبر طشاشة الماء العملاقة وفوقها كالسحابة , خليطا من الرذاذ المتطاير بعنف , والبخار المتصاعد المتهادي باختيال ..
أما حين تستقر أفواج المياه عند المصب , فإنها تبتعد بعيدا لتأخذ مجراها بسرعة وعنف , نافية زبدها على ضفاف المصب , فتراه قد تكوّم على الأطراف متكدرا .. تاركا مياه النهر نقية رقراقة تنفع الناس , وأما الزبد فيذهب جفاء .

هذا المنظر الطبيعي الخلاب يدفعك بقوة إلى أن تقتحمه وتستكشفه في أعماقه , وبشيء من الرهبة والمغامرة . وقد كانت الفرصة متاحة للجميع من خلال رحلة المركب .

. من هناك أردنا أن نقطع تذاكرنا إلى المركب الذي يقترب بالسائحين عند مصب الشلال الأكبر . ولقد كانت تلك التجربة مثيرة ورائعة , وهي أجمل ما يمكن أن يقوم به السائح عند زيارة هذه الشلالات .

ومن هناك ركبنا مصعدا , والحقيقة أن تسميته بالمصعد مجازية , إذ هو يهبط بك إلى ما يقارب الستة أدوار .. ركبناه لنكون عند ضفاف المصب بعد أن كنا على ما يشبه الهضبة المشرفة على الشلالات والمصب , فهو في الحقيقة مِهبطٌ وليس بمصعد .
وحيث وصلنا قطعنا تذاكرنا واستلمنا أرديتنا البلاستيكية , والناس أفواج , منهم من يصعد المراكب , ومنهم من ينزل منها .
ولقد لفت انتباهي منظر هذه المراكب , وقد ارتدى جميع راكبيها الأردية البلاستيكية بلون موحّد أزرق أو أصفر . وهنا تساءلت ما الحاجة إلى هذه الأردية والسترات ؟ .. وقد أتاني الجواب وسيأتيكم ..

ركبنا بسم الله مجراها , فألبست صغاري المعاطف الزرقاء , وبدا جميع من في المركب كطلاب مدرسة أو كطاقم بحري إلا أنا !
بدأت الرحلة جميلة ممتعة بين يدي شلالات نياغرا .. وكان الجو منعشا .. والمصب وديعا . قد أحيطت أطرافه بارتفاعٍ كهضبة نجد حين يشقها طريق مزفلت , حادة المقطع تحتضن المصب في مساحةٍ ليست بالكبيرة أو الصغيرة , والمياه تتسارع ولا تقف , إذ كيف تقف والشلال يتدفق دون كلل أو ملل ..









كانت الضفاف مليئة بالزبد مستلقيا مستريحا بعد رحلة عناء طويلة عنيفة , استخلصته ثم ألقته , والمركب يتهادى في سكينة , وصوت الشلال يزمجر من بعيد , ويقترب منا كلما اقتربنا منه , حتى إذا ما تقاصرت المسافة بيننا وبين الشلال الأكبر بدأت الأمواج تعاكسنا الاتجاه , فالمركب يتجه صوب الشلال , والماء يجري بعنف عكس اتجاهنا ليتخذ مجراه سريعا نحو النهر .. وبدأت الرحلة العسيرة للمركب , وبدأت محركاته تزأر وتشتد لتقاوم جحافل المياه المقابلة .

ويقترب المركب نحو الشلالات أكثر وأكثر حتى صرنا نرفع رؤوسنا لنراها .. كثُر الرذاذ حولنا , وأصبح لابد من أن أضع الرداء الأزرق كبقية الناس وإلا ابتللت تماما بالمياه ..
وتوغل المركب أكثر فأكثر , وهنا غابت الشمس وأصبحنا كمن هو في سحابة , ولكن في خليط من البخار والرذاذ .. واشتد الصوت وعلا .. وأصبح المركب فردا في فريق عرض الشلال الصاخب , يتأرجح ويهتز , وقلوبنا تهتز معه وتدق ..
ويتوغل قائد المركب أكثر وأكثر حتى همهمت في داخلي : أمجنون هو ؟.. إلى أين سيأخذنا ؟.. وإلى متى سنظل نرتج ونتأرجح .. والصوت من حولنا صاخب مزمجر عالٍ , وكل ما تعرفونه في قواميس اللغة من تسميةٍ للأصوات العالية .. إلى أين سيأخذنا هذا المركب ؟!!!
ويتوغل ثم يتوغل , حتى كدت أظن أنه سيجعل المياه تصب فوق رؤوسنا , أو ظننت لوهلة أن مياهه ستبتلعنا حين تصطك بالأرض من علوها شاهق .. وانتابني الخوف ..

وهنا سكن محرّك المركب , وتركه القائد فترة من الزمن يضطرب بين يدي الشلال كعصفورٍ ضعيف يحتضر .. كانت اللحظات عليّ أثقل من جبل الأربع أو جبل قارة .. متى نعود .. متى نعود ؟
وتُرِك المركب بعد سكون المحرك لاضطراب المصب وهيجانه يتحرك يمنة ويسرة يعلو ويهبط .. ونحن في داخله ضعافٌ صغار .. ما أذلنا عند الله .. إذ ذللنا عند أضعف خلقه !
والكلام يطول .. في رحلات الشلالات ..

خَفقَةُ قَلْبٍ
ادعوا لهديل , ولكل مريض هو رجاء أهله ..
ادعوا لأهلها أن يفرج عنهم كربتهم , وأن يؤجرهم فيما أصابهم ..

.........
* مناقشة بحثي للماجستير .
** الموتيلات : فئةٌ من الفنادق .

28 أبريل، 2008

عودة ~


لكل من بذل حرفا هنا ..
ولم يتيسر لي أن أعجّل بشكر بذله النديّ ..


لكل من تفضل بإطلالة تنتظر جديدي المتواضع ..
فلم يجِد ما يجدّ ..

لكل من دعمني وساندني ..

أشكركم كثيرا ..
وأعتذر عن الانقطاع في الأيام الخوالي ..

19 أبريل، 2008

محطة ~



" رَبّ اشرَحْ ليْ صَدْرِي

وَيَسّرْ ليْ أَمْرِي

وَاحْلُلْ عُقدَةً مِنْ لِسَاِني

يَفْقَهُوْا قَوْلِي "



دعواتكم ~