
صورة لوزيرن في ذاكرتي ..

لوزيرن ..
أي كلمة تصور جمالها !
أي صورة ضوئية تنقلك إلى واقعها !
......
أمام مبنى ضخم كان انتظارنا للحافلة التي ستنقلنا في رحلة سياحية إلى مدينة لوزيرن . إنه مبنى محطة القطارات في مدينة زيورخ الذي يتميز بمعماريته القديمة ، ويتضمن مساحات داخلية للتسوق .
كنا جلوسا بمواجهة الساحة المقابلة للمحطة نتأمل الشارع السويسري بكافة مكوناته ، حتى حانت ساعة ركوب الحافلة ، فركبنا ضمن مجموعة من السائحين الغربيين ، والذين كانوا في غالبهم من كبار السن ..
توجهت بنا الحافلة إلى خارج المدينة ، باتجاه لوزيرن .. حتى بدأنا في الصعود إلى جبال المنطقة ، وسط جو غائم وخضرة ناقعة اللون .. وشيئا فشيئا بدا لنا الريف السويسري كأجمل ما يمكن أن تقع عليه الأبصار من جمال الطبيعة .
حقا تملكتني الدهشة واختطفت عينيّ جمالُ السفوح الخضراء ترعى الأبقار عليها بهدوء وسلام ، ولم أملك حينئذ إلا أن أسبح الله .. سبحان الله .. سبحان الله .. سبحان الله .. ثم أتساءل في قرارة نفسي :
أي جمال في الطبيعة هذا ؟ .... إنه يكاد يفوق ما تستوعبه الحواس ..
وأي جمال ستكون عليه جنة الفردوس ؟! ..
إن كانت هذه الطبيعة الأرضية الفاتنة شيئا لا يذكر عند جمال الجنة ، فكيف ستكون الجنة ؟
لاشك أنها مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ..
لاشك أنها كذلك إن كانت العين تخبرني أن لا جمال في الدنيا يمكن تصوره يفوق جمالك لوزيرن !!
عندئذ اشتمل القلب على تمني الفردوس ، وسؤال الخالق الباريء المصور سكناها ، وأن يكون المآل إليها .. أسأل الله الفردوس !!
ثم إن كنت ووالدَيّ وإخوتي قد انعقدت ألسنتنا أمام هذه المناظر الخلابة بتسبيح الخالق جل وعلا .. فعلى أي كلمة سينعقد لسان الملحد والدهري ، وماذا تراه سيتمنى ويسأل ؟ .. هنا يقف عنده سقف الأمنيات .. يا للمسكين !
صعودا في طريق يتسلق جبلا نرى الأكواخ الأنيقة ذات العدد القليل تتناثر على سفوحه الخضراء هنا وهناك ، تزين نوافذها أكاليل الزهور الحمراء والملونة ، والأبقار السويسرية ترتع ، وتعلف وتعلف وتعلف ،لا تمل ! تتحرك أجراسها المعلقة في الأعناق كلما تزحزحت يمنة أو يسرة .
وإني لأرى سر جمال جبال الألب أنها تكتسي مساحات خضراء منبسطة تتباعد فيها الغابات فلا تفسد منظرها البهيج ، فتكتتفي الأشجار الطويلة أن تتكوّم هنا وهناك في مساحات محدودة ، ثم تزداد شيئا فشيئا قرب قمة الجبل ، حتى يخيل للناظر في الجو الغائم أن الجبال تبدأ عند قاعدتها فاتحة الاخضرار ، ثم يتدرج اخضرارها حتى تسوّد عند القمم ، تسوّد لكثرة التفاف الغابات واشتداد خضرتها ، هنا يفهم المرء كيف يميل اخضرار الأشجار إلى السواد عندما تلتف وتتكاثر ، هنا يكون معنى قوله تعالى " مدهامتان " قريبا حاضرا* .
لقد كان هذا المنظر البديع هو أجمل ما رأيت على الإطلاق !
ووصولا إلى منطقة سياحية ، أعلن المرشد أن هذه المنطقة هي أولى محطاتنا للنزول حيث المطعم المطل على البحيرة .
كان مرأى البحيرة أشبه بالحلم البارد اللذيذ .. أما وقد كنا نتأمل الجبال الخضراء تحتضن البحيرة الأنيقة أمامنا .. ويشوب الأفق شيء من الضباب .. إن هذا لهو نعيم الدنيا بعينه ، وإن هنا - تماما - ليجبرك التفكّر في بديع صنع الله أن يحل ، وأن يمتلك عليك القلب والخاطر ، كما امتلكت الحواسَ جمالُ المكان ، جنة دنياهم . ونسأل الله ألا يحرمنا جنة الفردوس !!
____________________




