1406هـ / 1986م
أهدي هذه التدوينة
إلى ابنة غزة الأبية ..
أختي العزيزة عائشة ..
أقرّ الله عينيها
بسلامة كل من تحب .
حيث يوجد العرب في أوروبا .. أَكترِب !
ولن يكون وجودهم في موسم الصيف أكبر في مكان منه على ضفاف بحيرة جنيف , أو الهايد بارك وميدان البيكاديلي اللندنيَّين , أو الشانزيليزيه في باريس .
والكربُ الذي أمرّ به ليس ذو علاقة بحالة من عدم الانتماء أو العنصرية أو الشعوبية أو البغض ,
والكربُ الذي أمرّ به ليس ذو علاقة بحالة من عدم الانتماء أو العنصرية أو الشعوبية أو البغض ,
وإنما له علاقةٌ بالحرقة والألم , حين أرى جموع الشباب و(الصبايا) قد حشد كلٌّ طاقته للاستعراض ,
فلا تتبين هوية الفتى أو الفتاة إلا من خلال سحنته العربية التي لا تخطئها رغم كل شيء ..
لذا , دائما ما أفضّل المدن ذات الطبيعة الجميلة بعيدا عن الأماكن الشهيرة , أماكن تجمّع العرب , الخليجيين منهم على الأخص .
وإني إذ أصف إنما أصف الحال في حقبة الثمانينات الميلادية , ومطلع القرن الهجري الخامس عشر ..
أما الآن فلست أدعي معرفة ما استجدّ .
فلعل الأمر قد طرأ عليه ما يخفف وطأته في هذه الحقبة , من الوعي والاعتزاز بالهوية لدى بعضهم على الأقل ..
كان القطار يعبر أرضا خضراء فاتنة فتية ..
كأنما يشقها لأول مرة في كل مرة ..
ووقت المسافر بين الطبيعة الفاتنة لاشكَّ عابر !
ووقت المسافر بين الطبيعة الفاتنة لاشكَّ عابر !
وعند الوصول إلى جنيف , توجهت بنا سيارة الأجرة نحو البحيرة الشهيرة ذات النافورة الأعلى في العالم ,
إلى بحيرة جنيفا حيث يلتقي السياح , ويتجمهر أثرياء العرب ..
ويختال كلٌ بما أنعم الله عليه , وينسي بعضهم أن النعمة لابد أن يقابلها الشكر ..
وأن أول مراتبه طاعة الرحمن , ومفارقة الفجور والعصيان .

جاوزنا البحيرة , وقد كان يقابلها عدد من الفنادق ذات النجوم الخمس , ودخلنا في طرقات إلى أن استقرت بنا السيارة أمام "موتيل", فاتخذنا سكنانا فيه .. ووضعنا أمتعتنا , وانقسمنا إلى ثلاث غرف ..
http://2headedturtle.files.wordpress.com/
وبينا كنت في المساء في غرفتي التي أشترك فيها مع أختي الأكبر , وعندما كنت أقرأ وإياها شيئا من كتاب زاد المعاد* , مستأنسين بهواء البحيرة العليل يتجاوز الطرقات , ويتهادى باختيال من نافذة الغرفة .. إذ بجنيف الساهرة الصاخبة تصبح في طرفة عين ظلام دامس ..
وإذا بأصوات ضخمة مرعبة تهز المكان هزا , وتتوالى في عزفٍ مطّرد ..
والدنيا من خلال نافذة غرفتنا ظلامٌ حالك ,
لا ينيره إلا وميض الانفجارات ينعكس على كل شيء حولنا , فتبدو كالمجاهر تضاعف صورة الحدث أضعافا مضاعفة ..
ولا ينطق فيه إلا دويُّها الذي يرتدّ بين الأبنية القديمة مرة بعد مرة ,
فلا يكاد يترك للعقول فرصة التفكير أو الموازنة !!
عندئذ انعقد اللسان , وعلَت دقات القلب , وتبادر إلى الذهن عدد من الانفجارات قد لحقت بعض السفارات والمرافق في ذلك الموسم الصيفي ..
لحظاتٌ أطبق فيها السكون تارة , والضجيج تارة أخرى ..
قد أجبرتنا أن نترك حديث ابن قيم الجوزية - رحمه الله - إيانا , إلى حديث الحدث ..
وأن نجاوز إيقاع زاد المعاد العذب المشوّق , إلى إيقاع الأصوات المزمجرة الكريهة ..
وبعد دقائق معدودة عادت الكهرباء إلى المدينة ..
فالتقطنا جلابيبنا لنتوجه إلى غرفة أهلنا . نحتمي بهم ونتبين الخبر .
وبينا نحن نسرع للوصول إلى الغرفة الأخرى , إذ صادفتنا على المصعد أسرة فيها الصغار والكبار ,
بدت لنا أنها أسرة فلسطينية أو لبنانية , واستدر جزعنا وفضولنا سؤالنا إياهم :
هل سمعتم صوت المتفجرات ؟
قالوا بشيء من البرود والاعتياد :
نعم ..
فقلنا : ألم تخافوا ؟!!
قالوا : تعودنا صوت المتفجرات !
هنا علمنا حقا أن نعمة الأمن التي لم نثمّنها في أوطاننا , ولم نقم بحق شكرها لا تساويها نعمة .
وأن هذه الأصوات المزمجرة المرعبة قد أصبحت جزءا من حياة إخوتنا اليومية في فلسطين أو في لبنان..
فاللهم لك الحمد .. اللهم لك الحمد !
وما إن وصلنا إلى الغرفة الأخرى حتى استقبلتنا أختنا الكبرى ووالدتنا , وقد أصابهما من الجزع والفزع ما أصابنا ,
وعند اللقيا والاجتماع ركدنا , واطمأننا بالتمامنا بعد فرقة وأجواء مزعجة ..
أما السؤال فما زال بيننا يتخاطر ويُتبادلُ :
ما الذي حصل ؟
ما الذي حصل ؟
........

ما كانت إلا نظرة من خلال النافذة حتى تبين لنا أن هذه الانفجارات ما هي إلا احتفالٌ ضخم جدا بكرنفال جنيف السنوي ؛ حيث تطفئ المدينة كامل الأنوار حول منطقة الاحتفال لتبدو الألعاب النارية في سماء جنيف بأقوى طاقتها وأعلى أصواتها , وأشد وهجها ..

وذلك هو دأبهم في كل عام ..
وتلك بغية سياحُهُم في كل موسم ..
منذ بضعة أيام , تجدد في ذاكرتي هذا الموقف , وعادت تلك الأسرة الفلسطينية أو اللبنانية إلى خيالي تماما حين شاهدت أبا الرضيع الفلسطيني المقتول محمد ناصر البرعي , وهو يصف أهل غزة عند قصف المعتدي الصهيوني :
" الناس ما بيخافوش .. "
هنا , وجدت أن رسالة الأمن التي عشت درسها قبل سنوات , قد حان موعد تسليمها إلى من يعتبر ..
وما قصة " الناس ما بيخافوش " ؟
وما قصة محمد البرعي الذي قُتل , فأيقظ والديه من حُلُم تمنوه خمس سنوات , ثم عاشوه خمسة أشهر ..
ليتبعه كابوس الطغيان الصهيوني - نعوذ بالله من الشيطان وحزبه - فيقتطف زهرة الحياة الوادعة ..
أترككم لتروا قصة الرضيع المغدور الحلم المغادر , حلم والديه العابر محمد البرعي , وذلك عبر المقطع المرئي المرفق ..
سائلة الله أن يلبس والديه حلل الصبر والاحتساب ,
وأن يكون لهما الشفيع إلى جنات عدن يدخلانها سلاما وأمنا .. **
***
* كنا قد اصطحبنا عددا من القراءات التي وضعناها لأنفسنا منهجا شرعيا صيفيا , وكان زاد المعاد أحدها , ويغلب على ظني أنني خلال الحدث كنت أقرأ وأختي في الزاد .
** كنت قد أعددت هذه التدوينة للنشر منذ فترة , منعني من نشرها عارض صحي , فآمل المعذرة إن كان ما ورد فيها مما قد تكرر عليكم ..
*** اقتضت حاجة تحرير ملف الفيديو إلى وجود هذه العلامة الحمراء , فالمعذرة ثانية !


