ماذا عن الدماء الزرقاء في ألمانيا ؟
بعد عدة أيام قضيناها بين المدينتين السويسريتين زيورخ وجنيف وعلى ترحاب ولطفٍ من أهلها , اتجهنا عبر خطوط لوفتهانزا الجوية إلى بقعة أوروبية أخرى , إلى الشمال من سويسرا ..
كانت الوجهة إلى فرانكفورت في ألمانيا الغربية * .
كانت الوجهة إلى فرانكفورت في ألمانيا الغربية * .
ولكل كتاب عنوان ,
وعنوان البلد غالبا ما يكون مطارُها الذي يعكس الناس والأنظمة فيه مستويات البلد بكافة أصعدتها : الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ..
اتخذت مقعدي ووالدتي وأخواتي ننتظر إنهاء إجراءات القدوم وتحصيل الحقائب , إلا أن الفضول ألحّ علي وإحدى اخواتي في أن نأخذ جولة على المحال التجارية القريبة في سوق المطار الحرة .
والتسوق دافع في المرأة نادرا ما يتخلف عنها أو تتخلف عنه . اتجهت وإياها إلى أحد المحلات التي كانت تتأهب للإقفال نظرا لإقبال المساء , وما أن اقتربنا حتى برزت لنا من داخل المحل امرأة عجوز ذات وجه مكفهر , ولم تمهلنا حتى أمطرتنا بوابل من (البخبخة)** ورطانة الألمان مالم نفهم معه مرادها غير مرادٍ واحد وهو أنكن غير مرحبٍ بكن ..
فابتعدنا على مضض !
فكان ذلك لنا وجه ألمانيا بأكملها .. حتى بدت لنا في كل زواياها مكفهرة اكفهرار تلك المرأة العجوز أمام وجوهنا المنقّبة , وأشخاصنا المستترة بالجلابيب ..
فكان ذلك لنا وجه ألمانيا بأكملها .. حتى بدت لنا في كل زواياها مكفهرة اكفهرار تلك المرأة العجوز أمام وجوهنا المنقّبة , وأشخاصنا المستترة بالجلابيب ..
ذلكم كان قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر , بحوالي خمسة عشر عاما , وليت أسطري كيف ستواجهنا زرقاء الدمن بعد أحداثها ؟
لاشك أن المواجهة ستسفر عن صاعقة تصيبها , ثم يعقبها هلاك محقق !
........
........
وبينا نحن في اضطراب وذهول وبين ضحك واستغراب , أقبل نحونا أبو محمد أن قد تعرّف السيارة التي تستقبلنا ثم تقلنا إلى الفندق ..
وإذا برجل في مقتبل العمر , مقبل بوجه غير الوجوه التي رأيناها منذ دخولنا من خرطوم الطائرة , وإذا به يرحب بلسان عربي مبين ..
لقد كان عربيا , لقد كان من الشام ..
تهللنا واستبشرنا , وشعرنا من بعد فزع البخبخة أن ثمة من يمكن أن يمسح عنا ألم الغربة بعد الوحشة ,
وإذا به قد اصطحب معه عربيا آخر , لننقسم في سيارتين ونأخذ وافر راحتنا ..
والدي وقسمٌ منا في سيارة , وأخي وقسمٌ آخر في سيارة أخرى ..
وفي الطريق أخذ السائق العربي يحدّثنا عن قصة مجيئه إلى هذه البلاد , وإلى زوجته الأوروبية , والتي لم تكن شقراء ولا ذات عيون زرقاء .. وأخذ يتكلم بكلام كثير , غاية ما كان يعنيه لنا أننا في جِوار عبد مسلم في هذه الديار الغربية الغريبة ..
لقد كان وصولنا إلى الديار الألمانية يوافق وقت الأصيل , وما أن خرجنا من حريم المطار*** حتى سلكنا طريقا سريعا ( أوتوستراد ) , هو تماما كطرقنا السريعة التي كانت تشيد في أوائلها ذلك الحين في السعودية , وبتُّ لأول مرة أعي أن العالم صغير ؛ فالطريق هو الطريق , واللوائح الزرقاء هي اللوائح . وهو النظام ذاته الذي رأيته حين تصفّحت الصور التي صوّرها أخواي المبتعثان إلى أمريكا بعد عودتهما في مطلع الثمانينات الميلادية .
والآن , بدا لي ذلك كأول جذور العولمة وحركة النّظُم عبر القارات .
لقد كان وصولنا إلى الديار الألمانية يوافق وقت الأصيل , وما أن خرجنا من حريم المطار*** حتى سلكنا طريقا سريعا ( أوتوستراد ) , هو تماما كطرقنا السريعة التي كانت تشيد في أوائلها ذلك الحين في السعودية , وبتُّ لأول مرة أعي أن العالم صغير ؛ فالطريق هو الطريق , واللوائح الزرقاء هي اللوائح . وهو النظام ذاته الذي رأيته حين تصفّحت الصور التي صوّرها أخواي المبتعثان إلى أمريكا بعد عودتهما في مطلع الثمانينات الميلادية .
والآن , بدا لي ذلك كأول جذور العولمة وحركة النّظُم عبر القارات .
لقد بدت ألمانيا أقل نضارة واخضرارا من سويسرا ..
وبدت بغابات كثيرة وبأشجار عالية , ولقد كان وقت الغروب يضفي عليها مسحة من حزن وكآبة ..
لعلها تعشق النور فبدت عند الغروب كئيبة مكفهرة , أو لعلي رأيت فيها وجه تلك العجوز التي انتهرتنا ..
ما أبلغ استقبالها !
وصلت بنا سيارة الأخ العربي إلى وسط المدينة , وقد تعالت فيها الأبنية والعمارات ,ولقد كانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها محدثتكم ذلك النوع من العمران , فلقد زرت قبلها في القارة الأوروبية أسبانيا وسويسرا ولكن لم أرَ شيئا من ذلك ..
كان يلفت انتباهي مبنى طويلٌ , يحمل اسم " دويتشة بانك " ..
علمت فيما بعد أنه مصرفٌ كبير في البلد , ورأيته فيما بعد بوفرة وافرة في النشرات الإخبارية الاقتصادية على تلفزتنا العربية ..
استقرت السيارة أمام أحد هذه المباني الشاهقة الارتفاع أمام فندق فرانكفورت بلازا ..
واستقر بنا المقام في طابقه السابع والثلاثين ..
ولا تسل عن فرحة الصبية بهذه السكنى التي تناطح السحب ..
أما كبار الرحلة فكان لهم شأن آخر , له علاقة بـ ( الاكفهرار ) ..
كان النّزل من الأناقة والفخامة ما جعلنا نعيد النظر , وننسى شيئا من الموقف ( المكفهر ) ..
لقد دبّ النشاط فينا من جديد , ولو كنا في مستقبل اليوم لخرجنا , غير أن الظلام حلّ , وبدت فرانكفورت عروسا تتلالى .. وعلوّنا الشاهق يمنعنا أن نسمع شيئا من أغاريدها .. إلا من صرصرة تعاودنا فينة بعد أخرى ..
ولا تسل عن فرحة الصبية بهذه السكنى التي تناطح السحب ..
أما كبار الرحلة فكان لهم شأن آخر , له علاقة بـ ( الاكفهرار ) ..
كان النّزل من الأناقة والفخامة ما جعلنا نعيد النظر , وننسى شيئا من الموقف ( المكفهر ) ..
لقد دبّ النشاط فينا من جديد , ولو كنا في مستقبل اليوم لخرجنا , غير أن الظلام حلّ , وبدت فرانكفورت عروسا تتلالى .. وعلوّنا الشاهق يمنعنا أن نسمع شيئا من أغاريدها .. إلا من صرصرة تعاودنا فينة بعد أخرى ..

جلسة الأسرة الدافئة هي وقود ليلي نركن إليه بعد يوم سياحي حافل ..
قد اعتدناه في كل سفرنا حيث لا خروج بعد المغرب ..
فدلة القهوة التي نعدّها من الماء المغلي مباشرة , وأجود تميراتٍ هجر التي لا نستغني عن تصديرها معنا , وحديث أسري يضم الوالدين الحبيبين والإخوة والأخوات , كل ذلك مجتمعا كان بلسما يسري على النفوس ويجعلها تحلق شبرا أو شبرين فوق محالّ قعودنا - بارك الله - .
فالذكريات تتهادى ويجود كبيرُنا والدنا بما لديه من دروس الحياة , فبها - بعد ذلك - نحلق فوق الشبرين أربعة أو خمسا ..
كان أخي أبو محمد من خفة الروح ما يغفر له أن يفعل بنا من خلال طرفته ما يشاء ..
لقد رأى بعض أفراد رحلتنا خائفا وجلا من ارتفاع المقام , فأراد أن يلطّف الأجواء حين قال :
هل تسمعون هذه الصرصرة ؟ إنها صوت تأرجح هذا المبنى الشاهق الارتفاع عند هبوب الرياح .
وقد كان مهندسا مدنيا , فأجاد التسرية عنا وإزالة مخاوفنا حقا .
ولا أظنك - أيها القاريء - قد فهمت الأمر كما عبرت عنه , بل العكس هو الصحيح !
لقد عزمنا بعد هذه المعلومة فورا أن نتحول إلى فندق آخر , بمستوى أقل كثيرا فرارا ونجاة .
ففي اليوم التالي حزمنا أمتعتنا وانتقلنا بالفعل إلى فندق آخر , كان لحسن حظنا يقابل محطة القطار تماما , إلا أنه كان بمستوى دون الفندق السابق ..

أخذنا في ذلك اليوم رحلة حول معالم المدينة , زرنا فيها أهم طرقات فرانكفورت وأشهر ساحاتها , واطلعنا على مباني الكاتدرائيات من الخارج فيها .
ومن الطريف جدا ما حصل لنا في إحدى الأزقة المتفرعة عن إحدى أشهر ساحات فرانكفورت القديمة , حين مررت وأختي برجل كبير فان ,ٍ قد جلس في زاوية يستعطف الناس ويستجديهم الصدقة , فوقفنا عند رأسه وقد ملكنا الأسى على حالته الرثة ثم تشاورنا , هل تحل له الصدقة ؟ ثم قادنا استفتاءنا أنفسنا أن ما سنقدمه إنما هو من قبيل الصدقة لا الزكاة , فلا ضير أن نعطيه مما أعطانا الله نسد رمقه ونؤلف قلبه نحو المسلمين , فقد كنا بما نحن عليه من مظهر وحجاب يدلان بوضوح على أننا مسلمات .
ثم تملكنا للحظات شعور فطري عميق بالعطف على هذا الشيخ الكبير المتشرد القابع في ناحية الطريق .
وغمرَنا شعور ديني أننا يجب أن نكون سفراء خير لديننا لعل الله يشرح صدره للإيمان ..
وبعد أن مددنا أيدينا بما يسر الرحمن , وبينا كنا نتقلب بين مشاعر الاعتزاز بفعل الخير ومشاعر الاعتزاز بالهوية والزهوِّ بها , إذ بالرجل الفقير يلوّح لنا يده بالشكر بعد أن دسّ بها المال في جيبه , ويستخرج بالأخرى زجاجة مُسكِرٍ – أعزكم الله – لم نكن قد رأيناها من قبل عنده , فيشربها ويندلق بعضها على قميصه الرث , فوقت ذاك وبالتحديد تبدّل شعورنا نقمة عليه ,
وضحكا في أنفسنا على أنفسنا كثيرا ..
لقد كنا عونا له في مصيبة وشر ..
ولكل امريء ما نوى ..
والله الهادي إلى سواء السبيل ..
في ساحة فرانكفورت بدت المباني طويلة مشمخرّة ..
وقد كانت متميزة بيضاء , أو فاتحة اللون بخطوط خشبية سوداء ومتقاطعة ,
لقد كانت كما كنا نراها ونحن صغار في ألعاب (التلي ماتش) بمعمار ألماني صِرف ..
أو بدت لنا كما كانت تبدو المباني في صور الكتاب الأحمر الكبير الذي أهدتنا إياه في السعودية جارة بيتنا البريطانية " روث " للريف الأوروبي ..

فرانكفورت مدينة يتعانق فيها النهر بالطرقات , وتقبع بين طرقها عمارات طويلة , والحركة فيها متوسطة الازدحام , وحين يحل المساء تصبح كمدينة أشباح .. وهنا نتوقف عن الكلام المباح !
...........................
* لم تتحد الألمانتين بعدُ في ذلك الوقت .
** البخبخة في أصلها : قول بخٍ بخٍ , لكنني استعرتها لكلام الألمان لما كان يغلب عليه حرفا الشين والخاء , وفي اللغة كذلك الشخشخةُ , من شخشخ القش ونحوه سُمع له صوت كخشخش . ( الوسيط )
*** الحريم : ما حُرّم فلا ينتهك , الحريم من كل شيء : ما تبعه فحرُم بحرمته من مرافق وحقوق . ( الوسيط )

